سوريا = حرب أهلية أم تقسيم البلاد؟
تتعرض سوريا لضغوط، سواء من تركيا أو قطر أو ليس أقلها من إسرائيل. لذلك، ومع الأخذ في الاعتبار المصالح الإقليمية والدولية الحالية، فليس من المؤكد للأسف أن سوريا قادرة على تجنب حرب أهلية أو تقسيم البلاد إلى عدة مناطق طائفية.

لقد مرت ثلاثة أشهر على سقوط نظام بشار الأسد وصعود الحكومة الحالية بقيادة إرهابي تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” الجولاني (الذي يطلق على نفسه الآن اسم أحمد الشرع).
كان الشعب السوري يأمل أن تعمل الحكومة الجديدة على تحقيق الأهداف التي أعلنها الجولاني نفسه في تنصيبه والتي ضحى الشعب السوري من أجلها على مدى الأربعة عشر عاما الماضية منذ الربيع العربي عام 2011، وهي أهداف تهدف إلى بناء دولة مدنية وديمقراطية. دولة يتمتع فيها جميع السوريين بالحرية والكرامة والمساواة دون أي شكل من أشكال التمييز العرقي أو الطائفي أو القومي أو الديني.
المجازر الطائفية
مع مرور ثلاثة أشهر، أعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن ارتكاب عمليات قتل في الساحل السوري، في محافظات طرطوس واللاذقية وحماة، وهي عمليات إعدام نفذت لأسباب طائفية.
وقالت المفوضية السامية إن عائلات بأكملها قتلت، بما في ذلك نساء وأطفال، وإن بلدات وقرى ذات أغلبية علوية محددة تعرضت للهجوم. العلويون هم الطائفة الشيعية الذي كان الرئيس السابق بشار الأسد ينتمي لها.
وطبقا لعدة شهادات جمعها مكتب المفوضية السامية ، فإن “مهاجمين مسلحين داهموا منازل خاصة وسألوا السكان عما إذا كانوا علويين أم سنة قبل قتلهم أو لا، حسب انتمائهم الديني”.
كما أكد الناجون أن العديد من الرجال قتلوا بالرصاص أمام عائلاتهم، وفقا للمفوضية.
ويؤكد المرصد السوري لحقوق الإنسان أن قوات الأمن وحلفائها، وكذلك المرتزقة، نفذوا عمليات إعدام ميدانية وتهجير قسري وحرق منازل.
وقتل ما لا يقل عن 1,383 مدنيا، غالبيتهم العظمى من العلويين، في غرب سوريا منذ 6 مارس/آذار، وفقا للمرصد السوري لحقوق الإنسان.
مستقبل سوريا
بعد الأشهر الثلاثة الأولى من وصول نظام الشرع إلى السلطة، علينا أن نستنتج أن ممارسات هذه السلطة الجديدة حتى الآن لا تبدو وكأنها تهدف إلى انتقال ديمقراطي من اجل بناء الدولة السورية المنشودة. بل على العكس من ذلك، فهي تشكل عقبات خطيرة أمام تحرير الشعب ووحدته ومستقبله، ويبدو أن الهدف هو تمزيق الوحدة الوطنية والسياسية والجغرافية للبلاد.
تتزامن التغييرات في سوريا مع الاضطرابات السياسية التي ابتليت بها منطقة الشرق الأوسط منذ عام 2001. ما يحدث في سوريا اليوم هو جزء من الخطة السرية المخططة لزعزعة استقرار الشرق الأوسط بأكمله، والتي رأيناها ضمنيا أولا في أفغانستان، ثم العراق، ثم ليبيا، ثم اليمن، ثم لبنان، والآن في فلسطين وسوريا.
الإصبع الأمريكي في الحرب في سوريا
في الشرق الأوسط، لطالما كانت فكرة المؤامرة جزءا من الخطاب المنتشر في مختلف محافل المجتمع. بينما وفي الغرب ، تم تجاهل هذه الفكرة والسخرية منها ومقارنتها بالنظريات القائلة بأنه لم يسبق لأحد أن هبط على القمر.
ومع ذلك ، فقد أصبح من الواضح أكثر فأكثر أن شيئا ما يحدث.
صحيفة تلغراف البريطانية كشفت أن الولايات المتحدة دعمت ودربت الجماعات السورية المسلحة للمشاركة في الهجوم الذي أطاح بنظام بشار الأسد.
وقبل الإطاحة بالأسد، قالت القوات الخاصة الأمريكية في سوريا للمقاتلين السوريين الذين تم تدريبهم على يد المدربين البريطانيين و الامريكيين: “هذه هي لحظتك”.
ووفقا للصحيفة، فإن عدد القوات التي دربتها الجيشين الأمريكي والبريطاني يصل إلى 3000 مقاتل مدججين بالسلاح. يتلقى كل محارب حوالي 400 دولار شهريا.
تم تأكيد نظرية المؤامرة من قبل روبرت كينيدي ، وزير الصحة الأمريكي وابن شقيق الرئيس الراحل جون كينيدي.
“حربنا ضد بشار الأسد لم تبدأ بالاحتجاجات المدنية السلمية للربيع العربي في عام 2011. بل بدأت في عام 2000 عندما اقترحت قطر بناء خط أنابيب بقيمة 10 مليارات دولار ويمتد 1500 كيلومتر عبر السعودية والأردن وسوريا وتركيا.
قطر كانت قد اقترحت في عام 2009 على سوريا بناء خط أنابيب غاز يمر عبر البلاد ويصل إلى تركيا وأوروبا. ولكن هذا الطلب قوبل برفض الرئيس السوري بشار الأسد.
كان الشغل الشاغل للأسد هو الحفاظ على علاقات جيدة مع حلفائه الروس، حيث شكلت واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الروسي 40٪ من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز في عام 2021.
أثار رفض سوريا السماح بمرور خط أنابيب غاز عبر أراضيها إلى تركيا استياء جارتها التركية الشمالية، التي رأت في خط أنابيب الغاز هذا وسيلة للتخفيف من ضعف الاقتصاد التركي.
كان من شأن خط الأنابيب المقترح أن يربط قطر مباشرة بأسواق الطاقة الأوروبية عبر محطات التوزيع في تركيا ، والتي كانت ستستفيد ماليا من استلام رسوم كبيرة لعبور الغاز عبر اراضيها.
خط الأنابيب القطري التركي يوفر للمملكة السنية في الخليج العربي قطر هيمنة حاسمة على أسواق الغاز الطبيعي في العالم ويقوي قطر ، وهي أقرب حليف للولايات المتحدة في العالم العربي. وذلك ان قطر تستضيف قاعدتين عسكريتين أمريكيتين ضخمتين ومقر القيادة المركزية الأمريكية في الشرق الأوسط.
“عندما أعلن بشار الأسد أنه لن يوافق على هذا المشروع، أشعلت وكالة المخابرات المركزية الانتفاضة والثورة”، كما جاء على لسان روبرت كينيدي في مقال نشر في فبراير 2016 في politico.eu بعنوان “لماذا لا يريدنا العرب في سوريا”.
وقدم روبرت كينيدي ملخصا لتورط تركيا وقطر في الحرب الأهلية السورية وعلاقتهما بداعش، موضحا أسباب ودوافع ذلك.
وأشار إلى تسريبات ويكيليكس التي ذكرت وجود وثائق حول مشروع خط أنابيب الغاز المخطط له من قطر إلى تركيا.
وتكشف الوثائق، التي وصفها ويكيليكس بأنها “سرية للغاية”، أن مشروع خط الأنابيب القطري التركي هو السبب الرئيسي للحرب في سوريا.
ما هو الثمن الذي يدفعه السوريون مقابل توريد الغاز العربي إلى أوروبا؟
لا يوجد حتى الآن سلام في سوريا وقد أثرت 13 عاما من الحرب والصراع على السكان المدنيين السوريين. وحقيقة أن خط أنابيب الغاز متورط في مثل هذه المرحلة المبكرة من إنشاء النظام السوري الجديد تظهر مدى أهميته للغرب وتركيا وقطر.
إجمالي عدد القتلى في الحرب الأهلية السورية بلغ أكثر من 617,000 في مارس 2024 ، وفقا لروايات من مراقبي حرب مختلفين.
بحلول منتصف عام 2021، فر أكثر من 6.6 مليون سوري من البلاد، وكان 6.7 مليون آخرون يعيشون كنازحين داخليا. وهذا يعني أن العدد الإجمالي للنازحين يمثل أكثر من نصف سكان سوريا قبل بدء الصراع.
يبدو أن الصراع، بما في ذلك حول الغاز والنفط، قد حدد طبيعة التدخل في سوريا. إن تغيير النظام ليس بالضرورة من أجل حياة السوريين أو حريتهم، ولكن حتى تتمكن دول الاتحاد الأوروبي من الحصول على غاز عربي رخيص بدلا من الغاز الروسي.
الولايات المتحدة وإسرائيل لعبا دورا حاسما في تغيير النظام هذا.
تقسيم البلاد
أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن قلقه من أن مستقبل السوريين مهدد بسبب الأحداث الأخيرة، التي قتل فيها مئات الأشخاص في المنطقة الساحلية للبلاد. ودعا إلى وضع حد للعنف وإجراء تحقيق موثوق به ومستقل ومحايد في الانتهاكات لضمان المساءلة.
وحذر أنطونيو غوتيريس في وقت سابق من هذا العام من أن خطر تقسيم سوريا لا يزال مرتفعا، مع استمرار التشرذم في العديد من المناطق.
وفي حلقة نقاش في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، سلط غوتيريس الضوء على التحديات التي تواجه جهود التعافي السياسي والاقتصادي في سوريا في ظل الإدارة الجديدة بعد سقوط نظام الأسد.
إسرائيل، من جانبها، تريد وتعمل من أجل تقسيم سوريا إلى مناطق طائفيةو حيث اقترحت إسرائيل عقد مؤتمر دولي لتقسيم سوريا.
ووفقا لصحيفة ” يسرائيل هيوم” الإسرائيلية، قدم وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين الفكرة في 7 كانون الثاني/يناير، والتي تمت مناقشتها خلال اجتماع مجلس الوزراء الأمني المغلق برئاسة وزير الدفاع يسرائيل كاتس. وتتضمن الخطة تقسيم سوريا إلى مناطق محافظات لمعالجة المخاوف بشأن تهديدات جماعات المعارضة والنفوذ التركي المتزايد في المنطقة.
تتعرض سوريا لضغوط، سواء من تركيا أو قطر أو ليس أقلها من إسرائيل. لذلك، ومع الأخذ في الاعتبار المصالح الإقليمية والدولية الحالية، فليس من المؤكد للأسف أن سوريا قادرة على تجنب حرب أهلية أو تقسيم البلاد إلى عدة مناطق طائفية.