أزمة جزيرة غرينلاند تهدد بنية حلف الناتو والنظام العالمي
على هامش القمة العالمية التي عقدت في 19 يناير كانون ثاني بالمنتدى الاقتصادي العالمي في مدينة دافوس السويسرية، اندلعت عاصفة دبلوماسية تهدد بتمزيق التحالف الغربي.

جاءت العاصفة بعد أن باتت الأزمة الدبلوماسية بين الولايات المتحدة والدنمارك حول مستقبل جزيرة غرينلاند تهدد الآن بتقويض الأساس ذاته لحلف شمال الأطلسي الناتو.
الأزمة تصاعدت على ضوء المطالب الأمريكية المتجددة بالسيادة على غرينلاند، مما زاد في الضغط على التعاون عبر الأطلسي إلى أقصى حدوده.
النزاع الذي ظل كامناً لسنوات، تصاعد الآن إلى خلافٍ علني يضع دور مملكة الدنمارك التي تملك السيادة على جزيرة غرينلاند كحليف وثيق للولايات المتحدة في اختبار غير مسبوق. جوهر الأزمة هو رغبة الولايات المتحدة في امتلاك غرينلاند لمواجهة أنشطة روسيا والصين في القطب الشمالي.
أكبر جزيرة
جرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، تُسمى “الأرض الخضراء”، لكنها ليست خضراء بل بيضاء، حيث تغطي الصفائح الجليدية الدائمة أكثر من 80% من مساحتها، وفي بعض الأماكن يصل سمك الصفيحة الجليدية إلى 3 كيلومترات.
إنها أرض بيضاء ذات مناظر طبيعية خلابة من الجليد والجبال والمضايق البحرية العميقة وحياة حيوانية فريدة مثل الدببة القطبية والحيتان.
غالبية السكان هم من السكان الأصليين الإينويت (الإسكيمو) مع أقلية دنماركية. ويبلغ عدد السكان حوالي 56 ألف نسمة، ولغتهم هي الغرينلاندية (الكلاليسوت).
اللغة الغرينلاندية هي اللغة الوحيدة خارج البلدان العربية التي تحتوي على حرف يُنطق نطقاً عربياً. وهذا الحرف هو القاف.
على سبيل المثال، اسم قارب الشخص الواحد الصغير هو “كاياك” Kayak ، يُنطق بالكاف في جميع اللغات الأوروبية، ولكن في الغرينلاندية يُنطق الحرف “ك” كالقاف و يمسى هذا القارب باللغة الغرينلاندية “قاياق”.
وعلى الرغم من أن الجزيرة تختلف عن أوروبا لغوياً وثقافياً وجغرافياً، إلا أنها تلعب دوراً جيوسياسياً هاما بسبب وجود ممرات مائية بين الغرب والشرق/الجنوب أقصر بكثير من الطرق الحالية عبر المحيط الأطلسي مع تزايد ذوبان الصفائح الجليدية وفتح هذه الممرات المائية امام البواخر التجارية .
هذا الطريق الاستراتيجي الجديد له أهمية جيوسياسية كبيرة لتجارة العالم.
بالإضافة إلى ذلك، الجزيرة غنية بالمعادن النادرة تحت الأرض والمهمة للصناعات الجديدة، مثل الليثيوم الضروري لصناعة بطاريات السيارات الكهربائية و التربة النادرة المستخدمة في الصناعات العسكرية والتكنولوجية الجديدة الأخرى.
الأزمة في الناتو
هذه الجزيرة الكبيرة ذات القليل من السكان أصبحت الآن محور التوترات بين الولايات المتحدة وأوروبا.
على الرغم من أن غرينلاند هي جزء من مملكة الدنمارك , حيث بدأ الاستيطان الاسكندنافي في الجزيرة منذ القرن العاشر, وهي الان تتمتع بحكم ذاتي واسع منذ عام 1979 – بما في ذلك السيطرة على مواردها وقوانينها الخاصة – إلا أن اقتصاد الجزيرة لا يزال يعتمد بشكل كبير على الدعم الدنماركي. حيث يتم تمويل حوالي نصف موازنة الجزيرة من الدنمارك، التي تتحمل أيضاً المسؤولية الشاملة عن الدفاع والسياسة الخارجية.
هذه الحالة الخاصة تُولد حاجة لاتفاق تحالف جديد في المستقبل. ووفقاً للخبراء، لا يكمن الحل في اتفاقية ثنائية دنماركية أمريكية، بل في تطوير إطار جديد تحت مظلة الناتو.
يقول البروفيسور فليمينغ سليبيدسبويل من أكاديمية الدفاع الدنماركية في مؤتمر صحفي في كوبنهاغن: “يجب على الناتو تطوير عقيدة قطبية شمالية شاملة تعترف بغرينلاند كشريك في التحالفات الغربية ، ويشارك في صياغة مصالح الأمن للاتحاد الأوروبي، ويلبي الاحتياجات الاستراتيجية للولايات المتحدة، مع احترام السيادة الدنماركية على الجزيرة. وإلا فإن هذا الانقسام في التحالف الغربي سيزداد فقط”.
تُظهر الأزمة أن أكبر التهديدات للناتو في القرن الحادي والعشرين لا تأتي فقط من الخارج، بل يمكن أن تنشأ عندما ينتهك أعضاء التحالف ذاته على المصالح الوطنية الحساسة لبعضها البعض في سعيها للفوز في الحرب الباردة الجديدة في القطب الشمالي.
النظام العالمي القديم
لم تكشف أزمة الزلزال الدبلوماسي بين الولايات المتحدة والدنمارك حول غرينلاند عن الشقوق في التحالف عبر الأطلسي فحسب. فقد أظهرت، وفقاً لكبار خبراء الأمن، مشكلة هيكلية جوهرية: الأطر الحالية للناتو قديمة وغير مناسبة للتعامل مع الصراعات المعقدة الجديدة على السلطة في القرن الحادي والعشرين. الحل، كما يُسمع الآن بقوة متزايدة، ليس مجرد ترقيع للمعاهدة الحالية، بل إنشاء اتفاق تحالف جديد كلياً مخصص للمجال القطبي الشمالي.
يقول البروفيسور فليمينغ سليبيدسبويل: “ما نشهده هو الاصطدام بين نظام عالمي قديم وآخر جديد. تمت كتابة معاهدة الناتو الحالية في عالم كانت فيه الدول ذات السيادة تتحكم بشكل واضح في سيادتها. هذه المعاهدة لا تناسب واقعاً يصبح فيه فاعل غير ذي سيادة مثل غرينلاند اللاعب المحوري في أحد أكبر تحديات الأمن لقوة عظمى في العالم”.
التحدي أمام الناتو، لذلك، ليس فقط الدفاع عن حدوده ضد قوى خارج التحالف مثل روسيا او الصين. بل هو بنفس القدر الدفاع عن تماسك الحلف الداخلي وروح التضامن ضد صراعات الموارد وتغيرات المناخ والمنافسة التكنولوجية.
إذا لم يتمكن التحالف من التطور للتعامل مع الواقع المعقد الجديد الذي تمثله غرينلاند كنموذج مصغر، فإنه يخاطر برؤية أهميته تذوب – أسرع من الصفيحة الجليدية في غرينلاند.



